السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
65
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تعالى : قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( المؤمن / 11 ) ، وهذه من الآيات التي يستدلّ بها على وجود البرزخ بين الدنيا والآخرة ، فإنها تشتمل على إماتتين ، فلو كان إحداهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بدّ في تصوير الإماتة الثانية من فرض حياة بين الموتين وهو البرزخ ، وهو استدلال تام اعتنى به في بعض الروايات أيضا ، وربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين أعني قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ . . . الآية ، وقوله : قالُوا رَبَّنا . . الآية ، متحدتا السياق ، وقد اشتملتا على موتين وحياتين ، فمدلولهما واحد ، والآية الأولى ظاهرة في أن الموت الأول هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحياة الدنيا ، فالموت والحياة الأوليان هما الموت قبل الحياة الدنيا والحياة الدنيا ، والموت والحياة الثانيتان هما الموت عن الدنيا والحياة يوم البعث ، والمراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الأولى ، فلا معنى لدلالتها على البرزخ ، وهو خطأ فان الآيتين مختلفتان سياقا إذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد وإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حيوة بخلاف الموت ، فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثانية ، فلامح في قوله تعالى : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، الإماتة الأولى هي التي بعد الدنيا والإحياء الأول بعدها للبرزخ والإماتة والإحياء الثانيتان للآخرة يوم البعث ، وفي قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ إنما يريد الموت قبل الحياة وهو موت وليس بإماتة والحياة هي الحياة الدنيا ، وفي قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ حيث فصّل بين الإحياء والرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا . قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ، بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحوّل متكامل يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغير تدريجا ويقطعه مرحلة مرحلة ، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدنيا ميتا ثم حيي بإحياء اللّه ثم يتحول بإماتة وإحياء وهكذا وقد قال سبحانه : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ